ابن بطوطة
47
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ويكون فيه البيوت والمصاري « 126 » والغرف للتجار ، والمصرية منها يكون فيها البيوت والسنداس ، وعليها المفتاح يسدها صاحبها ، ويحمل معه الجواري والنساء ، وربّما كان الرجل في مصريته فلا يعرف به غيره ممن يكون بالمركب حتى يتلاقيا إذا وصلا إلى بعض البلاد ، والبحرية يسكّنون فيها أولادهم ، ويزدرعون الخضر والبقول والزنجبيل في أحواض خشب . ووكيل المركب كأنه أمير كبير ، وإذا نزل إلى البر مشت الرماة والحبشة بالحراب والسيوف والأطبال والأبواق والأنفار أمامه ، وإذا وصل إلى المنزل الذي يقيم به ركّزوا رماحهم عن جانبي بابه ولا يزالون كذلك مدة إقامته . ومن أهل الصين من تكون له المراكب الكثيرة يبعث بها وكلاءه إلى البلاد ، وليس في الدنيا أكثر أموالا من أهل الصين . ذكر أخذنا في السفر إلى الصين ومنتهى ذلك . ولما حان وقت السفر إلى الصين جهّز لنا السلطان السامري جنكا من الجنوك الثلاث عشرة التي بمرسى قالقوط ، وكان وكيل الجنك يسمى بسليمان الصفدي الشامي ، وبيني وبينه معرفة ، فقلت له : أريد مصرية لا يشاركني فيها أحد لأجل الجواري ، ومن عادتي أن لا أسافر إلا بهن ، فقال لي : إن تجار الصين قد أكثروا المصاري ذاهبين وراجعين ، ولصهري مصرية أعطيكها لكنها لا سنداس فيها ، وعسى أن تمكن معاوضتها ، فأمرت أصحابي فأوسقوا ما عندي من المتاع ، وصعد العبيد والجواري إلى الجنك ، وذلك في يوم الخميس ، وأقمت لأصلي الجمعة وألحق بهم ، وصعد الملك سنبل وظهير الدين مع الهدية ، ثم إن فتى لي يسمّى بهلال أتاني غدوة الجمعة ، فقال : إن المصرية التي أخذنا بالجنك ضيقة لا تصلح ، فذكرت ذلك للنّاخودة فقال : ليست في ذلك حيلة ، فإن أحببت أن تكون في الككم ففيه المصاري على اختيارك ، فقلت : نعم ، وأمرت أصحابي فنقلوا الجواري والمتاع إلى الككم واستقروا به قبل صلاة الجمعة . وعادة هذا البحر أن يشتد هيجانه كلّ يوم بعد العصر فلا يستطيع أحد ركوبه ، وكانت الجنوك قد سافرت ولم يبق منها إلا الذي فيه الهدية وجنك عزم أصحابه على أن يشتوا بفندرينا ، والككم المذكور ، فبتنا ليلة السبت على الساحل لا نستطيع الصعود إلى الككم ولا
--> ( 126 ) المصاري جمع مصرية ، وهي في الاصطلاح المغربي دويرة صغيرة تكون ملحقة بالدّار الكبرى ، والكلمة نسبة إلى مصر لأن تصميمها الأول أخذه صاحبه ، على ما يظهر ، عن مصر على نحو « الصقلبية » في المغرب التي يأتي اسمها من الصقالبة الذين كانوا يسكنون بها . . . السنداس في الاصطلاح المغربي يعني المرحاض وما أشبهه د . سليم النعيمي : ألفاظ من رحلة ابن بطوطة ، مجلة المجمع العلمي العراقي 1974